الدولار والجنيه.. رحلة عقد من التحديات والتحولات في الاقتصاد المصري
إيمان عريف
- ارتفاع الاحتياطيات الأجنبية والاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين بعد تحرير سعر الصرف
- الجنيه العملة الأفضل أداءً في العالم بعد التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران
شهد الاقتصاد المصري خلال السنوات العشر الماضية واحدة من أكثر الفترات تقلبًا في تاريخه الحديث، حيث لعب سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري دورًا محوريًا في تشكيل المشهد الاقتصادي والاستثماري.
فمنذ عام 2016 وحتى اليوم، مر الاقتصاد المصري بمحطات صعبة ومتغيرات عالمية وإقليمية متلاحقة، بداية من قرار تحرير سعر الصرف، مرورًا بجائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات الجيوسياسية التي أثرت على حركة التجارة والاستثمار عالميًا.
يُعد عام 2016 نقطة فارقة في تاريخ الاقتصاد المصري، إذ اتخذت الدولة قرارًا بتحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر من ذلك العام ضمن برنامج إصلاح اقتصادي شامل استهدف معالجة إختلالات سوق النقد الأجنبي والقضاء على السوق الموازية للدولار.
قبل التحرير كان سعر الدولار يدور حول 8.8 جنيهات رسميًا، بينما تجاوز مستويات أعلى بكثير في السوق السوداء، ما أدى إلى تشوهات اقتصادية كبيرة وصعوبات أمام المستثمرين والمستوردين في الحصول على العملة الأجنبية.
ورغم أن قرار التحرير تسبب في ارتفاعات كبيرة في الأسعار وزيادة معدلات التضخم على المدى القصير، فإنه ساهم في إعادة تدفق النقد الأجنبي إلى الجهاز المصرفي، واستعادة ثقة المؤسسات الدولية والمستثمرين في الاقتصاد المصري.
بين عامي 2017 و2019 بدأت ثمار برنامج الإصلاح الاقتصادي في الظهور تدريجيًا، حيث ارتفعت الاحتياطيات النقدية الأجنبية، وتحسنت مؤشرات النمو الاقتصادي، وزادت الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين والأسواق المالية.
كما ساهمت مشروعات البنية التحتية العملاقة، وتطوير شبكة الطرق، وإنشاء المدن الجديدة، وتوسعات قطاع الطاقة والغاز الطبيعي، في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات وتحقيق معدلات نمو جيدة مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة.
لكن مع بداية عام 2020 واجه العالم أزمة غير مسبوقة مع انتشار فيروس كورونا، وتعرضت الاقتصاديات العالمية لهزات عنيفة نتيجة الإغلاق وتوقف حركة السفر والتجارة.
وتأثرت مصر مثل بقية دول العالم بتراجع إيرادات السياحة، وانخفاض حركة التجارة العالمية، وتباطؤ الاستثمارات الأجنبية. إلا أن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها الدولة والبنك المركزي ساعدت في الحد من تداعيات الأزمة والحفاظ على قدر من الاستقرار المالي والنقدي.
وأثبت الاقتصاد المصري قدرته على الصمود مقارنة بعدد من الاقتصاديات الناشئة التي تعرضت لانكماشات حادة خلال تلك الفترة.
لم تكد تداعيات كورونا تنتهي حتى جاءت الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022 لتضيف ضغوطًا جديدة على الاقتصاد العالمي. وارتفعت أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد بشكل غير مسبوق، ما انعكس على فاتورة الواردات في العديد من الدول ومنها مصر.
كما أدت موجات التشديد النقدي العالمية ورفع أسعار الفائدة الأمريكية إلى خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، وهو ما زاد الضغوط على سوق النقد الأجنبي.
وفي ظل هذه التطورات شهد الجنيه المصري تراجعات متتالية أمام الدولار، إلا أن الدولة واصلت تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية وتبني سياسات تستهدف زيادة موارد النقد الأجنبي وتنويع مصادره.
جاءت صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة بالشراكة بين مصر والإمارات لتشكل واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ البلاد، حيث حملت رسائل قوية للأسواق الدولية بشأن ثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري وقدرته على جذب رؤوس الأموال طويلة الأجل.
ولم تقتصر أهمية الصفقة على قيمتها الاستثمارية الكبيرة فقط، بل امتدت إلى دعم السيولة الدولارية، وتحسين ثقة الأسواق، وتهيئة مناخ أكثر استقرارًا لسوق الصرف.
كما ساهمت الاتفاقيات والشراكات الاقتصادية والاستثمارية التي أبرمتها مصر مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية في توفير مصادر جديدة للنقد الأجنبي ودعم خطط التنمية الاقتصادية.
يمثل استقرار سعر الصرف أحد أهم العوامل التي يبحث عنها المستثمر المحلي والأجنبي عند اتخاذ قرارات الاستثمار.
فكلما زادت القدرة على التنبؤ بحركة العملة، ارتفعت جاذبية السوق للاستثمارات طويلة الأجل.
ولا يعني استقرار الجنيه تثبيت سعره عند مستوى معين، وإنما وجود سوق متوازنة قادرة على تلبية الطلب على النقد الأجنبي دون اضطرابات حادة أو قفزات مفاجئة تؤثر على النشاط الاقتصادي.
وتنعكس حالة الاستقرار النقدي على تكلفة الإنتاج، وأسعار السلع، وخطط الشركات التوسعية، كما تمنح المستثمرين ثقة أكبر في ضخ رؤوس أموال جديدة داخل السوق المصرية.
يعتمد الحفاظ على استقرار الجنيه خلال المرحلة المقبلة على مجموعة من المحاور الرئيسية، أبرزها زيادة الصادرات، وتعزيز إيرادات السياحة، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنمية موارد قناة السويس، والتوسع في التصدير العقاري، بالإضافة إلى دعم الصناعة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات.
كما أن استمرار الإصلاحات الهيكلية وتحسين بيئة الأعمال وتسهيل إجراءات الاستثمار تمثل عوامل أساسية لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على جذب العملة الأجنبية بشكل مستدام. خلال عشر سنوات واجه الاقتصاد المصري تحديات استثنائية لم تقتصر على الظروف الداخلية، بل امتدت إلى أزمات عالمية غير مسبوقة أثرت على مختلف دول العالم.
ورغم الضغوط التي تعرض لها الجنيه المصري، فإن مسار الإصلاح الاقتصادي، وتدفق الاستثمارات الكبرى، وتحسن مؤشرات النشاط الاقتصادي، كلها عوامل تشير إلى انتقال الدولة تدريجيًا من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء فرص النمو المستدام.
وأصبح الجنيه المصري العملة الأفضل أداءً في العالم بعد التراجع الحاد في أسعار النفط إثر التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإعادة فتح مضيق هرمز، وهي خطوة يُتوقع أن تسهم في استعادة تدفقات الإمدادات وتخفيف المخاوف المتعلقة بالتضخم.
ومنذ اندلاع حرب إيران نهاية شهر فبراير الماضي، سجل سعر الدولار مستويات قياسية تجاوزت 54 جنيهاً، بعد أن كان يتم تداوله أعلى مستوى 47 جنيهاً قبل الحرب، ولكن مع هدوء التوترات الجيوسياسية وعودة تدفقات الأموال الساخنة بدأ الجنيه المصري مسيرة التعافي.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل الاستقرار النقدي الحالي إلى قوة اقتصادية دائمة قائمة على الإنتاج والتصدير وجذب الاستثمارات، بما يضمن الحفاظ على قيمة الجنيه المصري وتعزيز قدرته على دعم خطط التنمية الشاملة خلال السنوات المقبلة.








